قطب الدين الراوندي
30
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
« وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » ( 1 ) . وروي أن رجلا جاء إليه فقال : يا أمير المؤمنين خبرني عن اللَّه أرأيته حين عبدته فقال عليه السلام : لم أك بالذي أعبد من لم أره . فقال له : كيف رأيته فقال له : ويحك لم تره العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ( 2 ) ، معروف بالدلالات منعوت بالعلامات ، لا يقاس بالناس ولا تدركه الحواس . ويجوز أن يقال : ان البعد والغوص مصدران بمعنى الفاعل والمصدر يوضع مكان الفاعل للمبالغة ، كقولهم « هو عدل » أي عادل ، قال اللَّه تعالى « قُلْ أرَأَيْتُمْ إِنْ » ( 3 ) أي غائرا ، فيكون المعنى : لا يدركه العالم البعيد الهمم فكيف الجاهل . وحذف الموصوف كثير في كلامهم ، فكأنه رد على المشبهة فيما تزعم من اسراء اللَّه بمحمد عليه السلام إلى ما فوق السماوات السبع إلى الأفق الأعلى من أنه رأى ربه هناك ، وكذا في انزال اللَّه تعالى يونس عليه السلام في بطن الحوت إلى قعر البحر لم يكن لمثله ، ولم يكن صعود محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم ولا هبوط يونس إلا لمصلحة ( 4 ) .
--> ( 1 ) سورة طه : 110 . ( 2 ) راجع « التوحيد » للصدوق 305 ، 308 . ( 3 ) سورة الملك : 30 . ( 4 ) قال ابن أبي الحديد 1 - 69 : ولقائل أن يقول : ان المصدر الذي جاء بمعنى الفاعل ألفاظ معدودة ولا يجوز القياس عليها ، ولو جاز لما كان المصدر ها هنا بمعنى الفاعل ، ولو جاز أن يكون المصدر المضاف بمعنى الفاعل لم يجز أن يحمل كلامه عليه السلام على الرد على من أثبت أن الباري سبحانه مرئي ، لأنه ليس في الكلام نفي الرؤية أصلا ، وانما غرض الكلام في معقوليته سبحانه وان الأفكار والأنظار لا تحيط بكنهه ولا نتعقل خصوصية ذاته جلت عظمته .